صالح نصر الله ابن سلوم الحلبي

41

غاية الإتقان في تدبير بدن الإنسان

ويحصل الصداع في بعض الأمراض بطريق المشاركة وهو كثير الوقوع ، ولمناسبة القمر للرأس وقد تزيد رطوبته بزيادة القمر وتنقص بنقصانه ، ويعرض من ذلك تغيير في مزاجه ، خصوصا إذا كان مستعدا العلامات الدالة على المادة مطلقا . وقال جالينوس في كتاب الميامر : ينبغي معرفة الأمور . أحدها : أنه إذا كان الوجع ثابتا لا يتغير علم المادة من نفس الرأس ، وأنه إذا كان الوجع يشتد تارة ويخف تارة أو يذهب علم أن المادة ليست من نفس الدماغ بل بمشاركة بعض الأعضاء . وأيضا يجب أن تعلم أنه هل في بعض الأعضاء آفة أم لا ، فإذا لم يكن في بعض الأعضاء آفة أعلم أن المادة من الرأس ، فإذا عرفت ذلك فالمادة الصداعية المتولدة في الدماغ تكون إما لضعف الهضم فيتولد الفضلات ، وإما تسدد المجاري ، أو لضعف الدافعة ، أو لسوء مزاج الرأس فيقبل الأبخرة والمواد ويجذبها إليه ، وأكثر الأعضاء مشاركة للرأس كالمعدة والقلب والكبد والرحم ، وقد تزول الآفة من العضو ويبقى الصداع كما في الحميات ، فإنه قد تزول النوبة ويبقى الصداع ، وتلك المواد المرتفعة إلى الرأس إما من جميع البدن كما في والمريء الحميات ، أو امتلاء البدن من الدم والأخلاط الرديئة ، وإما من عضو مخصوص وأكثره بمشاركة المعدة والمريء ، وقد يحصل الصداع بمشاركة الكبد والطحال والرئة والرحم والكلى والمثانة والإمعاء ، ويكون من طريق العروق والشرايين والأعصاب والمسامات الخفية ، ولذلك قال الأستاذ أبقراط : أن الرأس كالوجاق « 1 » والمعدة كالمستوقد ، ولهذا يقبل ما يصل إليه من جميع البدن ، والمادة الكائنة في الرأس إما أن تكون في مجاريه وتغير مزاجه ، وإما أن تنصب وتخرج من المجاري فتحدث الأورام . والآن إنما نتكلم في سوء مزاج المادة ، وأما الأورام فسيأتي الكلام فيها علامات سوء المزاج المادي في الرأس .

--> ( 1 ) الوجاق : موضع النار والنسق من الجند وغيرهم ومنه « ورتب أوجاق الصحابجيّه » تركية مولّدة ( ج ) وجاقات . ( أقرب الموارد ج 5 ص 726 ) .